أحمد بن يحيى العمري

126

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

ومعق تمايمنا مع سرّ من رأى في إقليم واحد ، قلنا من الفهم والذكاء ما اقتضاه إقليمنا ، وإن كانت الأنوار لا تأتينا إلا مغربة عن مطالعها على الجزء المعمور ، وذلك عند المحسنين للأحكام التي تدل عليها الكواكب ناقص من قوى دلائلها ، وقد جعل صاحب الكمائم ذلك ( ص 42 ) سببا لتكدير أخلاق المغاربة في سائر أقاليمهم ، وصيّر ذلك متعديا إلى مياههم . وقال إن الإقليم الرابع وإن كان أعدل الأقاليم فإن فعله في الألوان والخلق في رأس المشرق فوق فعله في ذنب المغرب ، فقد عاينت من يرد من الغلمان الذين يفتنون الناظر من الأتراك ، والخطا « 1 » الذين يسكنون الإقليم الرابع عن يمين خوارزم ، وجهات تركستان ، وعاينت جماعة ممن يصلون من إشبيلية وقرطبة إلى بغداد وإلى بلاد العجم ، فكان بين الجنسين بالنظر إلى صفاء الألوان وحسن الصور بون لا يخفى على الناقد . قال ابن سعيد : نظر البيهقي من غلمان الأتراك والخطا الصور التي تنتخب في عنفوان شبابها وبهجتها ، وتهدى إلى الملوك ، وأراد أن يقيسهم مع أشياخ وكهول يصلون من إشبيلية وقرطبة ، بعد ما قطعوا أكثر طول الأرض ، وقد شربت الأهواء المختلفة ، وأعالي السني المتوالية مياه وجوههم ، وسودت بشائر الحسن خدودهم ، فكسفت شموسهم ، وخسفت بدورهم ، وذوت غصونهم ، وذبل وردهم ، وطحلب وردهم « 2 » ، فكانوا كما قال ابن حريق البلينسي « 3 » في محبوبة

--> ( 1 ) سيرد ذكرهم فيما بعد ، وهم من غير المسلمين ، فيما وراء النهر . انظر ص 83 وهوامشها من هذا الكتاب . ( 2 ) طحلب الماء : إذا علته خضرة الركود ، بمعنى ( أجن ) و ( أسن ) أي تغيّر طعمه ولونه ، فهو ماء آجن ، وماء آسن ، والطحلب بضم اللام وفتحها خضرة تعلو الماء المزمن . والورد بكسر الواو : الإشراف على الماء دخله أو لم يدخله ، والنصيب من الماء ، أي علت الخضرة ماء وردهم لطول الزمان عليه . انظر طحلب وورد . القاموس المحيط . ( 3 ) ابن حريق البلنسي : هو علي بن محمد بن أحمد بن سلمة بن حريق أبو الحسن المخزومي البلنسي الشاعر ، كان متبحرا في اللغة والأدب ، حافظا لأشعار العرب وأيامها ، كان مولده سنة ( 551 ه )